الهشاب والصمغ العربي: لماذا تبدأ التنمية في كردفان من جذور الشجرة؟

قد لا ينتبه المستهلك إلى الصمغ العربي، رغم حضوره في منتجات يومية مثل المشروبات والأدوية ومستحضرات التجميل. لكن وراء هذا المكوّن سلسلة تبدأ من شجرة محلية، وتمتد إلى دخل الأسر الريفية وصحة المراعي والأرض. وفي كردفان، تضع هذه الصلة شجرة الهشاب في قلب أي نقاش جاد حول التعافي والتنمية.
من شجرة الهشاب إلى مورد للناس والأرض
ينتج الصمغ المعروف تجارياً بالصمغ العربي أساساً من أشجار الهشاب (Senegalia senegal)، إلى جانب أنواع أخرى منتجة للصمغ. وتصف منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) نظام الهشاب الزراعي الحرجي في السودان بأنه ممارسة تقليدية تجمع بين الأشجار والزراعة والرعي. فالشجرة لا توفر الصمغ وحده؛ إذ تسهم في حماية التربة وتحسين خصوبتها، وتوفر أوراقها وقرونها علفاً موسمياً، فيما تتكامل زراعتها مع محاصيل وسبل عيش محلية.
وقبل اندلاع الحرب في أبريل 2023، كان السودان يوفّر نحو 70 إلى 80 في المئة من صادرات الصمغ العربي الخام عالمياً، وفق تقرير مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان الصادر في يوليو 2026. ويعد القطاع مصدراً مهماً للدخل لملايين السودانيين. أما نسبة 49.3 في المئة التي تتكرر في بعض المراجع عن حصة كردفان من إنتاج السودان، فتعود إلى بيانات تاريخية لعام 1995 أوردتها FAO؛ لذا ينبغي فهمها بوصفها مؤشراً تاريخياً إلى أهمية الإقليم، لا تقديراً حديثاً للإنتاج.
حين تنقطع سلسلة القيمة
أضعف النزاع قدرة المنتجين والتجار على مواصلة العمل في أجزاء من حزام الصمغ، وعرّض سبل العيش المرتبطة بالجمع والنقل والتخزين والتجارة لمخاطر متزايدة. ويذكر تقرير الأمم المتحدة أن أشخاصاً وأسرًا يعتمدون على تجارة الصمغ واجهوا تهديدات للسلامة، واحتجازاً تعسفياً ونهباً وابتزازاً. كما أشار إلى أن سوق الصمغ ومستودعاته في النهود بغرب كردفان تعرضت للنهب في مايو 2025، وفق ما أورده التقرير، ما عطّل التجارة المحلية وأضرّ بسبل العيش المرتبطة بها.
والخسارة لا تقف عند الدخل أو الصادرات. فعندما تتراجع قيمة الأشجار بالنسبة إلى الأسر، قد يزداد الضغط على الغطاء النباتي من خلال قطع الأشجار أو تحميل المراعي ما يفوق قدرتها. لذلك فإن حماية الهشاب وإدارة المراعي ليستا مسألة بيئية منفصلة عن الاقتصاد؛ بل جزء من استعادة قاعدة الرزق نفسها.
الجدار الأخضر العظيم: هدف واسع يحتاج إلى تنفيذ محلي
السودان واحد من البلدان الإحدى عشرة المشمولة بمبادرة الجدار الأخضر العظيم. وتورد اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD) ضمن النتائج المسجلة في السودان استعادة 85 ألف هكتار وإنتاج 1.9 مليون شتلة ونبتة. وعلى المستوى القاري، يستهدف البرنامج استعادة 100 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة بحلول عام 2030. وهذه أرقام لبرامج وأطر مختلفة النطاق؛ لكنها تبرز أهمية تحويل الطموح إلى تدخلات محلية واضحة، قابلة للتمويل والقياس والمتابعة.
كيف تصبح إعادة الاستثمار في الشجرة مساراً تنموياً؟
تكون فرص النجاح أكبر حين تعود منفعة الشجرة مباشرة إلى المجتمعات التي ترعاها. ويتطلب ذلك حزمة مترابطة من الاستثمارات:
- تنوع الأنواع المحلية: يكون الهشاب محوراً ملائماً لبيئته، ضمن غطاء نباتي متنوع لا يعتمد على نوع واحد.
- تنظيم المراعي: الاتفاق مع المجتمعات والرعاة على ممرات واضحة وممارسات تحفظ الأشجار، مع مراعاة حركة القطعان وحقوق الانتفاع المحلية.
- مياه قابلة للاستمرار: تخطيط نقاط المياه للمجتمعات والمواشي، مع إدراج كلفة الإنشاء والطاقة والصيانة ضمن التمويل منذ البداية.
- قيمة محلية أعلى: دعم الجمع والتخزين والتنظيف والتصنيع المحلي وتحسين الوصول إلى الأسواق، حتى لا يقتصر نصيب المنتجين على بيع المادة الخام.
التتبّع أساس الثقة
يحذر تقرير مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان من أن تجزؤ مناطق السيطرة ومسارات التجارة قد يجعل التحقق من منشأ الصمغ أصعب، وأن بعض الكميات قد تدخل قنوات تجارية أو جمركية بوصفها منتجة في أماكن أخرى. ولهذا دعا التقرير إلى تعزيز التتبّع والرقابة وبذل العناية الواجبة بحقوق الإنسان. وتفيد السجلات الواضحة للمنشأ ومسارات النقل والوسطاء المنتجين والمشترين والممولين معاً، وتساعد على توجيه العائد إلى المجتمعات المنتجة.
مشروع الغابة الرعوية المتكاملة في شمال كردفان
تعمل مبادرة التعافي الإفريقي (ARI) على هذا المحور من خلال مشروع الغابة الرعوية المتكاملة في ولاية شمال كردفان، الذي يجمع بين التشجير وممرات الرعي ونقاط المياه والتصنيع المحلي. ووفق الخطة المعلنة للمبادرة، يستهدف المشروع الانتقال إلى التنفيذ في عام 2027 بعد اكتمال التصميم ومواصلة التشاور الحكومي.
الرهان ليس على غرس الأشجار وحده، بل على وصل التعافي البيئي بدخل محلي وخدمات عملية وسلسلة قيمة موثوقة. فحين تعود الشجرة لتسند الأرض وتدعم سبل العيش، تصبح استعادة الغطاء الشجري مدخلاً عملياً لاستقرار المجتمعات الريفية.