المقالات

الصومال: حين يجفّ الماء وتتعب الأرض… من أين يبدأ التعافي؟

فريق التحرير

لا يظهر الجفاف في الأرقام وحدها. ففي المناطق الرعوية من الصومال، قد يبدأ اليوم بسؤال بسيط وثقيل: أين نجد الماء للبيت والقطيع؟ وإذا ابتعدت البئر أو جفّت، قد تقطع الأسرة مسافة طويلة، أو تنفق من دخلها المحدود على الماء، أو تتحرك بحثاً عن مورد آخر.

هذه التفاصيل اليومية هي الوجه الإنساني لأزمة تتداخل فيها قلة الأمطار مع تدهور الأرض وضعف الخدمات. وحين يتراجع المرعى، لا يخسر الناس مورداً طبيعياً فحسب؛ بل تتأثر صحة الماشية والدخل والغذاء، وتضيق الخيارات المتاحة أمام الأسر.

رجل يستقي الماء من بئر في غاربا هاري بإقليم غيدو في الصومال، مع شعار مبادرة التعافي الأفريقي
صورة أرشيفية من غاربا هاري، إقليم غيدو، 11 أغسطس 2014. تصوير ديفيد موتوا لصالح بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال (AMISOM)؛ المصدر Wikimedia Commons، بترخيص CC0 1.0.

حين يصبح الماء قراراً يومياً

في نوفمبر 2025، رصد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في منطقة وُجيد بإقليم بكول ارتفاع سعر برميل الماء سعة 200 لتر من نحو نصف دولار إلى 1.70 دولار. قد يبدو الفرق محدوداً لمن يشتري الماء مرة، لكنه يتكرر يوماً بعد يوم في ميزانية الأسرة، ويزيد كلفة الحفاظ على الماشية.

وتعطي أحدث قراءة لتحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، المنشورة في خريف 2026، صورة عن اتساع الضغوط: واجه نحو 5.1 مليون شخص مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي بين يوليو وسبتمبر، ويُتوقع أن يرتفع العدد إلى 5.4 مليون بين أكتوبر وديسمبر. هذه أرقام للأمن الغذائي، لا تعدادٌ لكل المتأثرين بالجفاف. ويتداخل هذا الواقع الآن مع خطر أمطار غزيرة وفيضانات محتملة خلال موسم دير؛ ما يجعل الاستعداد للماء الزائد والنقص معاً جزءاً من التعافي.

الأرض والماء وسبل العيش: قصة واحدة

وفق بيانات الصومال المقدمة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، بلغت الأراضي المتدهورة نحو 23.29 مليون هكتار، أي 36.86% من مساحة البلاد، في عام 2019. كما أشار التقرير الوطني الأول المحدّث للصومال إلى تراجع الغطاء الغابي من قرابة 12% عام 2000 إلى 10% عام 2016. وذكر التقرير نفسه أن الحطب والفحم يشكلان نحو 85–90% من الطاقة المستخدمة في المناطق الريفية. هذه أرقام مرجعية تعود إلى سنواتها المحددة، لكنها تبيّن كيف تتقاطع إدارة الأرض والطاقة وسبل العيش.

والماء الجوفي ليس مورداً يسهل الوصول إليه في كل مكان. فمراجعة هيئة المسح الجيولوجي البريطانية، استناداً إلى أعمال برنامج FAO-SWALIM، تشير إلى اعتماد قرابة 95% من السكان على المياه الجوفية للشرب، وإلى أن أعماق معظم الآبار تتراوح بين 90 و250 متراً، مع تفاوت كبير في الجودة والملوحة. لذلك لا يكون حفر بئر جديد حلاً تلقائياً: يلزمه مسح للموقع والمياه، وخطة تشغيل وصيانة يمكن للمجتمع تحمّلها.

وهكذا تتصل حلقات الأزمة بعضها ببعض: يقلّ الماء فيضعف المرعى؛ ومع تدهور الأرض تتراجع قدرة الأسرة على إبقاء قطيعها ومصدر دخلها. وقد يضطر الناس إلى التنقل أو الاعتماد أكثر على موارد طبيعية تتعرض أصلاً للضغط. لذلك لا تكفي استجابة طارئة وحدها، كما لا تكفي زراعة الأشجار إذا غابت المياه والخدمات والفرص التي تجعل بقاءها مجدياً للناس.

ما الذي يمكن أن يبدأ به التعافي؟

يقترح نهج مبادرة التعافي الإفريقي (ARI) النظر إلى استعادة الأرض والخدمات وسبل العيش كمسار واحد، تقوده المجتمعات المحلية. وفي السياق الصومالي، يمكن أن يعني ذلك بحث خيارات من أربعة جوانب، بعد دراسة كل منطقة والتشاور مع أهلها:

  • ماء محسوب بعناية: مسح هيدروجيولوجي يختبر عمق المياه وجودتها قبل الحفر، وخطة واضحة لكلفة الطاقة والتشغيل والصيانة.
  • إدارة عادلة للمراعي: الاتفاق على ممرات وموارد مشتركة مع الرعاة والمزارعين، وحماية الغطاء النباتي مع إبقاء الوصول إلى المرعى ممكناً.
  • دخل يخفف الضغط على الأشجار: دعم سبل عيش وطاقة بديلة ملائمة للسياق المحلي، بحيث لا يصبح قطع الأشجار الخيار الأسرع لتلبية الاحتياجات اليومية.
  • تجربة صغيرة قابلة للتعلّم: بدء محدود يقيس موثوقية المياه، وبقاء النباتات، وكلفة التشغيل، ومدى ملاءمة الحلول للمجتمع؛ ثم التوسع فقط حين تؤيد النتائج ذلك.

ولا ينطلق هذا التصور من افتراض أن الحل يأتي من الخارج أو أن مشروعاً واحداً يناسب كل مكان. فالأسر والمجتمعات التي تعتمد على الأرض والماء تعرف تفاصيل مواردها ومواسمها وطرق الوصول إليها. دور الشريك هو الإصغاء والعمل معها، لا اتخاذ القرار نيابة عنها.

ولا تدّعي مبادرة التعافي الإفريقي أن لديها مشروعاً قائماً في الصومال؛ فهذا إطار تفكير يمكن تكييفه بعد البحث الميداني والشراكة المحلية ومراعاة الأمان والسياق. أما السؤال الذي يتركه الجفاف مفتوحاً، فليس كيف نزرع شجرة فحسب، بل كيف نهيئ الظروف التي تجعل الماء والأرض ومصادر الدخل قادرة على التعافي معاً.